وأد البنات والحكومات
بعيداً عما يثار حاليا عن أزمة الخبز ، وهى المشكلة التى بدأت منذ زمن يمتد كثيرا وقبل تولى حكومة د. نظيف المسئولية، وأذكر من هذه المشكلة ما قام به من قبل النائب رجب حميدة والنائب " السابق " أيمن نور حين أدخلوا إلى البرلمان قدراً من الخبز كي يستشهدوا ويقسموا عليه لما إصاب رغيف الخبز من سوء وتدنى ، ووفق ذاكرتي فقد كان ذلك المشهد من إبداعات النائبين وتوافقا مع مناخ سياسي أستهدف حكومة الجنزورى بغرض عزلها .
كذلك بعيداً عما يثار حاليا عن أزمة الطرق والمرور بالقاهرة وهى المشكلة
التى بدأت أيضا منذ زمن يمتد كثيراً قبل تولى حكومة د. نظيف المسئولية ، وأذكر من هذه المشكلة إحتراق قطار الصعيد للمرة الثانية (خلاف المرة الأولى فى الستينات عصر جمال عبدالناصر حيث الاسباب مختلفة ) وكذلك واقعة إغتيال رئيس مجلس الشعب السابق د. رفعت المحجوب يوم ان حاول السيد وزير الداخلية الأسبق عبدالحليم موسى اللحاق بالقتلة وأعاقه عن ذلك وقتها سوء حركة المرور بوسط القاهرة ،ولقد ثارت وقتها (الضجة) البرلمانية والصحفية حول أزمة المرور والطرق بالقاهرة وايضا كانت هذه (الضجة) متوافقة ومناخ سياسي للإطاحة ببعض الوزراء وعزل الحكومة .
بعيداً عما سبق من مشكلات قد يتفق البعض علي إنها لا تصلح سببا للإطاحة بحكومة د. نظيف إلا إنه من المؤكد إن البعض قد يراها قضايا كافية للإطاحة بما هو أكثر وأشمل من حكومة د. نظيف، فهى تكفي للإطاحة بالحزب الحاكم والمسيطر علي البلاد منذ نصف قرن...طالما إنها قضايا مزمنة ولدت وتنامت مع مولده، يوم أن إستحصل علي زمام السلطة بالبلاد و بمسميات مختلفة وشرعيات مختلقة...
فبعيدا عن هذه وتلك،إذن ما هو الجديد وقد أصاب الشارع المصري وتجاوز مرحلة الظاهرة حني بات مألوفا وآراه يصلح للإطاحة بالحكومة القائمة وحزبها معا وفي آن واحدا ..??
كان الخليفة عمر بن الخطاب ذات يوم فى مجلس سمر وأصدقائة يتقاسمون أطراف الحديث .. وإذا بعمر فجأة وقد أفرط فى الضحك ، ثم سرعان مالبث ان سكن الي لحظات من الصمت ومجلسة يراقبه فإذا به وقد أنخرط فى بكاء شديد .. وساد الصمت والاندهاش بين الحضور ،إلى أن هم أحد الحضور وسأل ماذا آصابك يا عمر .. ?? اتضحك وتبكى يارجل فى آن واحد..!!! فحدثنا يا عمرعما راودك فأضحكك ?? فقال عمر بن الخطاب ، لقد تذكرت حينما كنت فى " الجاهلية " ولم يكن يصحبنى فى سفره لى سوى إلها مصنوع من التمر، ولما أشتد بى الجوع وفرغ المؤن وبحثت حولي فلم أجد سوى هذا الإله ،فنظرت اليه وإستغفرته وقمت بإلتهامة .. تذكرت ذلك فإثار ضحكى وسخريتي مما كنت أؤمن به ..
وهنا تدخل أحد الحضور بالسؤال قائلا وماذا عن بكاؤك يا عمر .. ??
فأجاب عمر،تذكرت أيضا حينما كنت فى " الجاهلية " وقد رزقت بولد " أنثى " ولم تنقضى بضع شهور حتى أخذنى الخوف من " عار الرزق بأنثى " فأخذت معولى بيد وحملت الأنثى بالأخرى صاعداً قمة تل عليا وهممت بالحفر بالمعول والأنثى بيدى الأخرى ، وتصبب وجهى عرقا، فنظرت إلى الأنثى ورأيتها تنظر إلى عيني وتبتسم وقامت بمد يدها الصغيرة إلى جبهتى لتزيل ما تتصببه من العرق ،ورغما من ذلك لم تأخذنى بها شفقة ولا رحمة وأكملت ما شرعت فيه من وأد للأنثى ووضعتها والحياة تنبض فيها فيما أعددته من " حفرة " وآهلت فوقها بالرمال ... وأكمل عمر بن الخطاب راويته بقوله أنه بتذكره لتلك الواقعة غلبته الدموع واجهش عمر فى البكاء ثانيه ...
تلك كانت نماذج من عصر " الجاهلية " في المنطقة الناطقة بالعربية ، فماذا عن عصر" المدنية " في الدولة المصرية ... ??
لقد أحتفل العالم بإسره منذ أيام قليلة مضت بيوم المرأة العالمى ... ولقد جاء هذا الأحتفال في مصر بقدر كبير من الخصوصية ... !!
هكذا آرادت حكومة د. نظيف ، ارادت أن يكون يوم الأحتفال بالمرأة المصرية يوما خاصاً تتذكره المرأة المصرية على مدى التاريخ ،تماما كما نحن نتذكر لها الآن بطولاتها وتضحياتها منذ أيام " أم المصريين " ،وأذكر منهن أسماء عديدة صفية وهدي وعائشة وكثير من الاسماء.. هن في الحقيقة لم يرسمن لوحة ذاتية لهن بقدر ما كن يساهمن في حفر إسم أمة في صفحات التاريخ..ومن المؤكد ان هذه الفترة العظيمة و" النادرة " من تاريخ مصرلم تشهد مسميات للمرأة كفرخندة وهيفا وغيرها من المسميات المستحدثة...!!!!
وأذكر أننى فى كثير من زياراتى الخارجية كنت أتلقى العديد من التحذيرات من الأصدقاء بالحرص والحذر من السير فى بعض الطرقات ،كذلك بعدم مغادرة غرفتى بالفندق ليلا والسير في شوارع نيويورك ، بل ان رجال الأمن ذاتهم كانوا يوجهون النصح لى بعدم السير فى بعض المناطق بامستردام بهولندا وكان ذلك لفقدان الآمان وإنتشار الجريمة بهذه الطرقات ، وكنت وقتها أفكركيف ان مصر قد خلقت كساحة آمان لكل من يلجأ إلى شوارعها وحواريها ... حقا كانت القاهرة واحة الآمان..والآمان لا يستلزم بالضرورة الأمن ،ولكن من الضروري له توافر منظومة القيم..والقيم تتطور وتنضج وتزدهر وتتبدل وتتدهور وتنحدر بالسياسات...!!!! كل ذلك دار بخلدى أثناء متابعتى للإحتفال بيوم المراة المصرية ويوم المراة العالمى والذى مر منذ أيام قليلة ..
قدمت حكومة الحزب الحاكم نموذجا لايمكن لأيا من حكومات العالم،ان تقدمه .. ???
فى يوم الاحتفال بيوم المرأة،خرجت طفلة عمرها أثنى عشر عاماً بمحافظة الفيوم كما إعتادت أن يكون برنامجها اليومي،فالطفلة كان قدرها أن تترعرع في نشأتها وطفولتها في عصرالريادة "كمقولة الشريف_ الاسم" ،خرجت الطفلة لكى تساعد والدتها بائعة الخضروات فى الحصول على الرزق اليومى للاسرة المكونة من ستة أفراد ....
غافلت الطفلة والدتها ، وأرادت أن تختلس لنفسها ساعة زمن تنعم فيها بطفولتها إبتهاجاً بيوم الطفل تأيداً لمشروع قانون حماية الطفل .... لم تدرك الطفلة البائسة بأن ماكنا نفاخر به من آمان للشارع المصرى قد إنقضى وتوارى بالتراب مثله مثل كل القيم النبيلة الآخذة فى التفكك والاندثار .. لم تدرك طفلتنا كل هذا وانزوت فى أحد " المقابر " المجاورة وكأنها قد أصابت الاختيار لمكانها الآخير الذى يمكن أن تلهو فيه .. فلقد تتبعها أحد الذئاب البشرية أو لنقل أحد " السلعوه " البشرية حتى نعبر عن حياتنا المعاصرة ...
قام " السلعوه " البشرية بالتعدى على الطفلة وظل يقوم بأغتصابها حتى زهقت روحها البريئة الطاهرة أو القول الصائب " نفقت " ..... ??? !!!
ففى هذا الزمن ، وفى ظل هذا المناخ لا أظن أن الانسان يبرأ حياته إلى بارئها وإنما ما يحيط بنا يجعلنا نقول ان " تنفق " حياتنا .......
أى سياسات هذه التى تؤدى بنا إلى هذه الهمجية والوحشية ... وأى آمان هذا الذى لا نأمن فيه على طفلة لا يتجاوز عمرها أثنى عشر عاماً من الاغتصاب ... ??? !!!
أى مستقبل هذا ، الذى تنتهك فيه أعراضنا وشرفنا .... ??? !!!
وأى صراع هذا ، الذى تستهلك فيه أجيالنا فى حاضرها بطفولة بائسةمقهورة وفى مستقبلها الذى لا تراه إلا فى مقابرها .... ?? !!
أى قانون هذا الذى يسود فى مجتمع فقد الاحساس بالقانون وباتت له قواعده الخاصة الجديدة بمسميات المال وخشية مواجهة الشرمن أجل أستقرارمزعوم ... ??!!
أى شرع هذا شرعه الله لنا ويقبل بأن يكون هذا هو حالنا وتلك هى أخلاقنا وهذه هى سماتنا ... ??? !!!
إن الأمر لا يقف عند حد حادث أغتصاب وقتل تعرضت له طفلة ...
بل يتجاوز ذلك بكثير ... الأمريثير الإنتباه إلى أن حياتنا تحولت إلى شعارات جوفاء لا تحمل سوى كلمات قليلة على السطح دون جوهر يحميها .. فحكوماتنا المتعاقبة على مدى نصف قرن إنتهجت مبدأ " أنا لا أكذب ولكنى أتجمل " ...
فبدءا بمصر الصناعية وقد إنكسرت بنكسة سوداء سدد شبابنا ضريبتها فى ستة أيام بعشرون ألف شهيد ومائة ألف جريح ... !!!!
ومروراً بثورة خضراء وقد إنكشفت بإنها ثورة على الخضراء برقعة صحراوية متزايدة تسدد ضريبتها أمة بأسرها لعدم الاكتفاء الذاتى ولتلتهب ظهور رجالها بأسعار الفاسدين .... !!!
لنصل إلى حرية المرأة دون آمانها ، فهى مخيرة بين حريتها وأمنها ، ليتعرى الشعار ذاته وقد أتى بمزيدآ من القيد عليها ... !!!
وقد يقول قائل ، وما الجديد فى حادث أغتصاب طفلة " الفيوم " وقتلها ، فلقد سبق وحدث فى بداية الثمانيات حادث مماثل من أغتصاب فتاة " ميدان العتبة " تلك الحادثة التى وقعت أمام المئات من أبناء الوطن بأحد الميادين الرئيسية بالقاهرة.. والفارق ودون اسهاب فى التفصيلات شاسع ،فهو فيما بين الحادث الفردى والظاهرة،فلم يسبق حادث فتاة " ميدان العتبة " حوادث تحرش جماعى ، ولم يسبقها أيضا صحف يومية تعلن وبشكل دورى عن حوادث إغتصاب يومياً ، ولم نسمع وقتها عن رجل أمن أستشهد لإنقاذ إحداهن من الاغتصاب ...
آلا يكفي هذا كفارق..!!! ..أظنه يكفي ،وإلا كان القول بغير ذلك يعني كما يقول قيادات الحزب الحاكم "ان الفساد موجود بكل دول العالم...فلماذا الأنتقاد للفساد في مصر..!!!!"...نعم ياسادة..إنكم علي صواب،فالفساد موجود في كل مكان بالعالم،بل أنني أضيف بأن الفساد موجود منذ نشأة الخليقة..فالخيروالشر قطبين في حالة توازن دائما...وهذا هو جوهر الخلاف... الي أي مدي وصل الفساد في مصر؟؟؟؟
لقد تحدث لي أحد الشباب الذين أنهوا حياتهم الجامعية ، شاب متعلم تعليما عاليا،وذلك معقبا علي حوادث "التحرش والخطف والأغتصاب والقتل للبنات بالشارع المصري"،وذلك بقوله" أحمد الله إنني ليس لي أخت،فلا أعلم ماذا كنت سأفعل معها في هذا الزمن"....!!!!؟؟؟؟؟...عبارة آراها في حاجة الي كثير من التأمل...
لقد أعادنا الحزب الحاكم وحكوماته المتعاقبة علي مدي مايزيد علي نصف قرن من الزمن،أعادنا الي زمن " وأد البنات "...و" البنات " هي بنات مصر،هي المرأة المصرية التي فقدت أمنها في الشارع المصري ،تماما كما فقد المواطن المصري آمانه في وطنه..
فإذا كنتم تبحثون في مبرر لإسقاط حكومة نظيف،فأتركوا الخبز لحاله..وأنسوا أزمة المرور فلقد باتت من سماتنا...وأنظروا الي " الوأد "...ولا تخجلوا من إنكم عدتم بمصر "المدنية" الي زمن "الجاهلية"..فوأد البنات يصلح لوأد الحكومات..
ملحوظة:هذا المقال لا علاقة له بما وصلني من رسائل اليكترونية تهديدية لي ولأسرتي...فتلك مسئولية نظام .