في الأنباء، أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس طلب إلى مصر وإسرائيل إبقاء معبر رفح مغلقا حتى إشعار آخر، والهدف ممارسة الضغط على حماس بتحريض الناس عليها، وإظهارها عاجزة عن حل مشكلاتهم اليومية، فضلا بالطبع عن تقييد حركة كوادر حماس وقادتها الذين يتنقلون عبر المعبر، طلب عباس إلى القاهرة وتل أبيب أرفق بطلب ثان أمل فيه الرئيس الفلسطيني أن يظل طلبه الأول طي الكتمان. وفي الأنباء أيضا، أن حركة حماس طلبت إلى كتائب القسّام أو غيرها من الكتائب والأذرع، إغلاق معبر كرم أبو سالم بقوة النار إن لزم الأمر، وعدم السماح باستخدامه لا من قبل المدنيين ولا العسكريين، لا من قبل السكان ولا النشطاء، والسبب هو أن المعبر يخضع بالكامل للسيرة الأمنية الإسرائيلية، ولا يستطيع قادة حماس وكوادر المقامرة باستخدامه دون الوقوع في القبضة الإسرائيلية. الرئيس عباس يريد الاستثمار في معاناة الفلسطينيين وفقا للصحف الإسرائيلية لمعاقبة حماس والانتقام من فعلتها النكراء في القطاع، وحركة حماس تريد الاستقواء بهذه المعاناة المثقلة للضمير، لفتح المعبر الوحيد الذي يمكن أن تمر منه بحرية نسبية، كلا الفريقين لم يسأل الشعب الفلسطيني ماذا يريد، وما إذا كان مستعدا لتقديم هذه التضحية ودفع ثمن هذه المعاناة من عرق ودماء أبنائه، على مذبح صراع مخجل على السلطة، بين فصيلين جعلا من حربها الواحد ضد الآخر، محورا مركزيا للاهتمام والموارد على حساب المعركة الأهم مع الاحتلال والاستيطان والإذلال. آخر إحصاء قرأناه عن شهداء معبر رفح من المحتجزين والرهائن الفلسطينيين، يقول أن ثمانية وعشرين فلسطينيا قد فقدوا حياتهم على المعبر منذ بداية حزيران / يونيو كضحايا لرحلة الانتظار المضنية تحت شمس الصحراء وجوعها وعطشها، دماء هؤلاء ليست في رقاب الإسرائيليين وحدهم، بل في رقاب عباس وهنيّة وفياض وكل من يتولى المسؤولية aوحماس، السلطة والحكومتان على حد سواء. والمؤسف حقا أنه مع اندلاع صراع الضواري ما عاد الاستقواء بالغريب على ابن العم، أو بابن العم على الشقيق أمرا مستهجنا، وما عاد الاستخفاف بمعاناة الناس وآلامهم أو إدارة الظهر لطموحاتهم وأحلامهم، أمرا مفاجئا أيضا، فالمهم كسر شوكة الآخر وإرادته ورقبته إن اقتضت الضرورة، ومن يستمع لبعض المتحدثين من أمراء "الأسرلة" على حد تعبير هاني الحسن، أو لتصريحات سامي أبو زهري التي تقطر سما زعافا، لن تصعب عليه رؤية المآلات الصعبة التي انتهى أو سينتهي إليها المشهد الفلسطيني برمته. ومن يستمع إلى قصص الاعتقال والتعذيب ضد سجناء حماس في الضفة وانتهاك عناصر فتح والأجهزة لحرمات البيوت والمؤسسات والتشريعي، أو لتحذيرات الجبهة الشعبية عن تغوّل أجهزة حماس في القطاع وممارساتها الملاحقة بأبشع أشكالها بما فيها انتهاك حرمة الجامعات والبيوت والمقرات، يدرك تمام الإدراك أن الأمر تسير من سيء إلى أسوأ، وأن الوضعين الإقليمي والدولي يدفعان باتجاه تعميق هذه الاستقطاب وتكريس هذه الثنائية، بل والبناء عليها كما جاء في مبادرة بوش الأخيرة القائمة على إستراتيجية "الضفة الغربية أولا" التي أطلقتها واشنطن بعيد الانقلاب الحمساوي في غزة.