الفخ النووي-3
في المقال السابق،قمت بإستعراض رؤية خضر مصر لرفض المشروع النووي المصري
وذلك علي الصعيد السياسي في شقه الداخلي،والذي جاء في مجمله بعدة تخوفات سواء من حيث الاستيعاب الشعبي"الخاطيء" لمضمون المشروع ،وأثر هذا الاستيعاب وإنعكاساته علي الاستقرار السياسي الوطني في المستقبل.هذا فضلا عما اوردته من تخوفات اخري تتعلق بموقف تيارات الدين السياسي"المحظورة سياسيا" ومدي "إغتنامها" لتلك المفاهيم السابقة في تحقيق نجاحات سياسية وهي بصدد محاولتها للوصول للسلطة( هذا ان كان الامر سينحصر في نهايته علي مسألة الاستغلال السياسي فقط ولا يتعداه الي اكثر واخطر من ذلك بكثير..؟؟؟؟).
ومن ثم ،فلقد فرغت من مقالي السابق،بأن هناك اسبابا اخري سياسية ولكنها تقع في إطار السياسة الدولية.وانتهيت الي إنه وقبل الخوض في تلك الاسباب الاخري ،فلابد ان نتعرف عما دار من حوارا مصريا-امريكيا في شأن هذا المشروع ...
ففي أعقاب حرب اكتوبر،عرض الشهيد الرئيس الراحل انور السادات علي الرئيس الامريكي نيكسون،رغبة مصر في الخوض في إنتاج الطاقة من خلال التقنيات النووية،وقد حظي العرض المصري حينئذ بترحاب امريكي،إلا انه كان ترحيبا مقترنا بشرط رئيسي،تمثل في تحمل الولايات المتحدة الامريكية بعبء التخلص من النفايات النووية ودفنها بمعرفة الشركات الامريكية،علي ان يتم ذلك بأماكن خارج مصر،وقد بررت الادارة الامريكية حينئذ مطلبها،بإنها مساهمة امريكية للحفاظ علي البيئة المصرية..
لم يقبل المفاوض المصري بالشرط الامريكي في ذلك الوقت،وتجمدت الإتفاقات المبرمة حينئذ رغما من توقيعها...ما يعنينا من تلك الواقعة التاريخية،هو ما سيق وقتها من تخوفات مصرية إزاء ما طرحه الجانب الامريكي من شرط،،والنظرالي هذا الشرط كونه يعبر عن مخاوف امريكية من ان تعيد مصر توظيف النفايات النووية الناتجة عن المفاعل النووي المزمع إنشاءه ،وذلك في أغراض عسكرية..
وقد يكون من الصائب ايضا،ان اُذكر،بأن تلك الواقعة التاريخية إنما حدثت في الفترة مابين 1974-1976،أي قبل الرحلة التاريخية للشهيد الراحل انور السادات الي القدس والإعلان المصري بأن حرب اكتوبر هي آخرالحروب،وبأن السلام هو الطريق..
آما وقد فرغت من سرد مختصر لتلك الواقعة، فيمكنني الآن الخوض فيما آراه من أسبابا تتعلق بالسياسة الدولية في رفضنا كخضر للمشروع النووي الوطني،وهي الاسباب التي يمكن الخوض فيها علي الوجه التالي:-
اولا:-إنه وعلي الرغم من ان هناك من الدول ما يمتلك البنية الاساسية الضرورية واللازمة للخوض في مشروعات التقنيات النووية،إلا إن ذلك لايمثل كل مقومات القرار والاعلان عنه،فهناك من العوامل السياسية التي تفوق الامور الفنية والتأهيلية أهمية،واهمها علي الإطلاق تقع فيما اذا كانت الدولة في مناخ "حرب" أو مناخ "سلام" مع أحد الدول الاعضاء في الجماعة الدولية.
وإيضاحا لذلك يمكنني القول،إنه وعلي الرغم من وجاهة التفسير المصري للمطلب الامريكي إبان المفاوضات حول المشروع النووي المصري في الفترة مابين 1974-1976،إلا ان البعض قد يتفق ايضا ووجاهة المطلب الامريكي سواء في ظاهره أومضمونه،وذلك إنطلاقا من ان مصر حينئذ كانت تحيا مناخ"الحرب" .
ومن ثم،فالتساؤل قد يبدو منطقيا..وآي"مناخ" نحياه الآن..حرب أم سلام؟؟؟؟
وتعود من وجهة نظري،اهمية تحديد الحالة الراهنة وكونها مناخ"حرب"،أم مناخ"سلام"،وهو ما يجب ان يتم وفق رؤية محل توافق دولي،تعود اهمية هذا التحديد الي مساهمته بقدر كبير في إمكانية التنبؤ بما سوف نواجهه من شروطا،للموافقة علي المشروع النووي المزمع إقامته..
ذلك إنه ومن المفترض،إزاء الاعلان المصري والذي جاء معبراعن حالة شفافية مصرية،اقول إنه من المفترض،آلا نتوقع امامه حالة"رفض"من القوي الدولية،واغلب"الظن"ان ضمانات"قاسية"سنكون ملزمين وطنيا بتقديمها.
هذه الضمانات قد تضيق وتتسع وفقا للرؤية الدولية بما يسود من مناخ"حرب"أم مناخ"سلام".وآري ان هذه الضمانات قد تتعلق بكيفية التخلص من النفايات،وبإدارة الناتج عن المشروع من الطاقة،بل قد تصل هذه الضمانات الي حد طلب ان يتم المشروع الوطني بالمشاركة الاجنبية..
فالعلاقة عكسية بين الضمانات والمناخ السائد فيما اذا كان مناخ"حرب"أم مناخ "سلام"،فكلما تعسفت القوي الدولية في طلب الضمانات اللازمة ليحظي المشروع الوطني بمباركتها،كان ذلك مؤشرا علي الرؤية الدولية للمناخ السائد وكونه مناخا غير "سلمي"،والعكس صحيح.
واستدرك سريعا بالقول،ان المقصود بالمناخ السياسي هنا،لا يرتبط بالقرار السياسي للدولة الفرد،قدر إرتباطه بما يحيط بهذه الدولة من مؤثرات سياسية وتُعد مؤثرة في القرارات الإسترتيجية لها..
ولإيضاح ذلك،يمكنني الاستشهاد بقدر من النماذج المؤثرة.....
فبالنظر لما وقع من احداث في"غزة"مطلع العام الجاري وما كشفت عنه الإدارة المصرية من ان المستهدف كان"إستفزازا"للدولة المصرية لدفعها لحالة "حرب"،كيف لنا ان نفسر هذا المناخ السياسي؟؟؟
كذلك،كيف يمكن لنا تفسير ما"يتردد"من توترات في المفاوضات الجارية بين دول حوض النيل،في ظل مطالب"شعبية"مصرية بحصصا إضافية من المياة..!!؟؟
وكيف يمكن ان نفسرالتخوفات الوطنية مما يحدث من تحولات في البحيرة العربية"البحر الاحمر-الشاطيء الساحلي الشرقي للبلاد"،وبدلا من كونه بحيرة عربية ،بات قاعدة عسكرية لكل القوي الدولية والمرخص لها بحق التتبع الارضي..!!؟؟
وكيف يمكن ان نفسر"إكتشاف"بعض الخلايا"الدولية المتطرفة"بتوجيه من بعض الدول المجاورة،والتي كانت تعد لأعمال تخريبية تستهدف المواطن والاقتصاد الوطني..؟؟
بل يمكن الزعم أيضا، بأن إحالة الأستاذة هالة مصطفي الي تحقيق،هو في حقيقته تحقيقا سياسيا،إنما آراه مما يتعلق بدراسة مناخ الحرب والسلام..؟؟
خلاصة القول في ذلك،اننا كخضر نري ان المشروع النووي الوطني وعلي الرغم من إنه قد يحظي بمباركة من القوي الدولية"ظاهريا"،إلا ان البعض قد يري هذه المباركة في حقيقتها"رفضا"،وذلك بالنظر لما قد يُشترط من ضرورة تقديم ضمانات كافية للقوي الدولية،آراها تمثل عبئا ثقيلا علي الإدارة المصرية يصعب عليها الوفاء بها،اللهم اذا لجأت للإستفتاء العام للحصول علي موافقة شعبية..!!؟؟
ثانيا:إنه وبالرغم من الاختلاف الجذري للمشروع المصري"السلمي"عنه في الحالة الايرانية والسورية،إلا انه ومع ذلك يظل مصدر مخاوف وطنية حال"الفشل"في مشروع السلام بالشرق الاوسط .وفي ذلك قد يكون من الصائب الإصرار في طلب التحقيق الدولي حول مسئولية وكالة الطاقة الذرية الدولية،فيما تم تسريبه من معلومات لبعض الصحافة العالمية حول وجود لآثار تلوث إشعاعي لبعض المنتجات المصرية ،والتي ثبت لاحقا بإقرار دولي عدم مسئولية مصرعنها،ومن ثم يظل طلب التحقيق امر بالغ الاهمية من ناحيتين،اولهما كيف تم تسريب تلك المعلومات والتي كان يشملها تقرير وكالة الطاقة الدولية وذلك قبل إصداره رسميا،وبما يؤكده ذلك من حالة "تربص"بمصر،علينا اخذها بالاعتبار مستقبلا.وثاني هذين الامرين يدور حول حقيقة دخول بعض المنتجات الملوثة إشعاعيا الي مصرمن خلال بعض عمليات التجارة الدولية للبضائع والمنتجات المُعدة لإستخدام المواطن المصري،وذلك وفق ما قدمته الادارة المصرية من تبريرا حاز قبول وقناعة وكالة الطاقة الذرية الدولية بعد التحري عنه...!!؟؟؟؟
ثالثا:ان الاعلان المصري للمشروع النووي وبالرغم مما صاحبه من مبررات امام القوي الدولية تتعلق بالتنمية الوطنية الشاملة،إلا ان مثل تلك المشروعات لا يمكن تقييمها سياسيا في إطارها الفردي كمشروعات مستقلة،فالارتباط وثيق بينها وبين غيرها من المشكلات السياسية.وفي ذلك لا يمكنني الزعم بأن المشروع النووي المصري بإزدواجية أهدافه لأنتاج الطاقة و"المياة العذبة"،أقول لا يمكن الزعم بأن مثل هذا المشروع يتم تقييمه فرديا دون ان يكون في إطار"حزمة"من المشروعات السياسية تتمثل في النظر للمطالب الشعبية بزيادة حصة المياة،فضلا عن ضرورة إيجاد حلول عملية"محسوسة"لقضية حقول الالغام بالساحل الشمالي المصري،وبما يمكن ان تمثله كأحد عناصر التقييم لإختيار "موقع"المشروع النووي.
خلاصة ذلك،ان القبول الدولي للإعلان المصري إنما يجب ان يؤخذ في إطاره الحقيقي،ممثلا في حزمة من المشروعات السياسية التي لا تقبل التجزئة،وإلا عُد بمثابة رفض ومقايضة علي باقي القضايا السياسية المرتبطة به...
ما سبق كان بمثابة بعضا من تخوفات الخضرالسياسية في إطارها الدولي،آما وقد فرغت منها،فقد يكون من السائغ الخوض سريعا فيما نراه من تخوفات إقتصادية تحيط بالمشروع المصري،ونراها علي الوجة التالي:
اولا:من الملاحظ ان الاعلان المصري سواء المعاصر أو ماتم منه في العقود السابقة، لم يصاحبه في آيا منها،الاعلان عن الخطط التي ستنتهجها الحكومة المصرية في كيفية تدبير الموارد المالية اللازمة للخوض في هذا المشروع،وهي التي تفوق العشرة مليار دولار وفق التقدير المبدئي للمشروع.تلك الموارد المالية التي آراها "عصًية"التدبير دون إرهاق مجتمعي حاد،فضلا عن الملاحظ من ان كل الإعلانات السابقة وبما فيها الإعلان الراهن،كانت تمر بمصرأوبالمجتمع الدولي أزمات إقتصادية حادة تُعيق كثيرا من الطموحات التنموية لكافة المجتمعات،وهذا ما يدفع للتساؤل حول"التوقيت المناسب"للأعلان المصري وعوامل تحديد هذا التوقيت ومدي إرتباط هذه العوامل بالاوضاع الاقتصادية للبلاد..!!؟؟.
وقد يكون كافيا فقط التذكير بما صاحب الاعلان المصري الاخير،بدءا مما عانته البشرية علي الصعيد الدولي جراء أزمة غذاء عالمية في شتاء العام الماضي لم تكد تستعيد حيويتها منها،إلا وخاضت في أزمة مالية عالمية لم تفق بعد من آثارها،بل ان المتوقع ظهور آثارها السلبية بدءا من العام المقبل وخاصة الدول النامية وبينها مصر.كذلك علي الصعيد الوطني،فالمواطن وقد بدأ آنينه يتعالي يوما بعد يوم جراء الازدياد المطرد لاسعار السلع الاساسية،الي برنامج للخصخصة نبحث له توقيتا مناسبا للإستكمال والتطبيق دون جدوي..!!؟؟
كل هذا يدفع لتساؤلا محددا..هل تم عرض الخطة الحكومية "لتدبير"الموارد المالية المقررة للمشروع النووي المصري علي البرلمان الوطني..؟؟ والاهم..هل وافق البرلمان؟؟
ثانيا:إنه وعلي الرغم من كثير من الدراسات العلمية المعنية بإقتصاديات التشغيل في إنتاج الطاقة من خلال التقنيات النووية،وبما يجعل منها وضوح الشمس للكافة،أقول إنه بالرغم من ذلك،لم تكشف الحكومة المصرية عن خططها التنموية في المدي الزمني الذي يتوافق وبدأ التشغيل لمشروعها النووي.ذلك ان الثابت علميا،ان التكلفة الاقتصادية لتشغيل مولدات الطاقة بالوقود النووي في كل انواعها،تتزايد بشكل مضطرد مع تخفيض الطاقة المتولدة عنها.هذا ما يعني ان التشغيل الناجح إقتصاديا للمشروع المصري لابد وان يكون مواكبا لتشغيل مشروعات تنموية قادرة علي إستيعاب كامل طاقته..فهل للحكومة المصرية ان تعرض خططها التنموية المستقبلية المقدر لها إستهلاك كامل الطاقة المتولدة عن المشروع النووي،وكيف تم تدبير مواردها المالية..!!؟؟
ثالثا:إنه وعلي الرغم من ان أهم مايسوقه البعض كمميزات لإنتاج الطاقة من خلال التقنيات النووية،هو إنخفاض معدلات التلوث الناتجة عنها ومن ثم التكلفة الاقتصادية للتشغيل،وذلك بالمقارنة بمعدلات التلوث التي تنتج عن إنتاج الطاقة بالوسائل التقليدية.أقول بالرغم من ذلك،إلا ان هؤلاء يتناسوا ان هذا المبررلا يصلح فيما اذا كان إنتاج الطاقة عبر المصادر الجديدة"كالرياح والشمس"،حيث معدلات التلوث ومن ثم تكلفتها تنعدم بالمقارنة بأي مصادر اخري.
هذا فضلا ان ما يسوقه هؤلاء من مبررات تتعلق بالبيئة،إنما قد يصلح للتطبيق في الدول الصناعية وليس في الدول النامية.
فالدول النامية لم تزد نسبة مساهمتها في ظاهرة التغيير المناخي عن "صفر"،فيما تتحمل الدول الصناعية "مجتمعة" المسئولية كاملة عن معدلات إنبعاث الكربون المرتفعة بكل ما أسفر عنه ذلك في إحداث الظواهر السلبية المناخية..ولكن وبعيدا عما يسوقه هؤلاء من إعتبارات الحفاظ علي البيئة، فإن الامر في حقيقته يمكن تفسيره بيسر وببساطة في إطار قضيتين محددتين،اولهما ان الدول الصناعية تسعي مؤخرا الي توفير المناخ المناسب لطموحاتها التنموية من حيث إجراءها لعمليات "المقاصة البيئية" مع دول العالم الثالث،بما يسمح للدول الصناعية في إستمرار معدلات الإنبعاثات الكربونية الراهنة وبما يمكن ان تضيفه خططها التنموية لها مستقبلا ،وذلك خصما من"حساب"الدول النامية .وثاني هذه القضيتين ،قد يتمثل في محاولات حثيثة للدول الصناعية في الحفاظ علي المخزون العالمي من مصادر الطاقة التقليدية"البترول والفحم والغاز"لصالحها ووفقا لإرادتها وإدارتها،ويكفي للتدليل علي ذلك القول بأن تصنيع الغاز الطبيعي يؤدي الي ثلاثة آلاف منتج آخر..
خلاصة ما سبق،اننا كخضر نري ان ظروفا ومتغيرات إقتصادية عديدة تبدو"منقوصة"،فضلا عن إن مفاهيم جديدة بدت ملامحها تسود في المستقبل القريب،ستحد كثيرا من فاعلية وجدوي إنتاج الطاقة عبر التقنيات النووية خاصة في الدول النامية ومنها مصر،بالإضافة لكون الاعلان المصري لم يصاحبه الي الآن مايستلزمه من المخططات الاقتصادية والتي قد تبعث علي الطمأنينة في جدوي المشروع إقتصاديا...
واظنني عند هذا الحد،يمكنني طرح تساؤلا جديدا علي من أخذهم الظن،بأن حيازة مصادر الطاقة عبر التقنيات النووية،إنما هو تعبيرا عن "قدرات"حقيقية أو مستقبلية للدولة.....هذا التساؤل هو،كيف "تحلل"الاتحاد السوفيتي السابق الي "دويلات"متفرقة،رغماعن إمتلاكه لحقوق المعرفة التكنولوجية للتقنيات النووية،وبنوعيها السلمية منها والعسكرية،وحيازته لعشرات المشروعات النووية..؟؟
ذلك ما يدفعنا للبحث فيما إذا كان هناك للخضر تخوفات "ثقافية"من عدمه..
ومن ثم يظل للحديث بقية